سياسة

تحالف طالبان وروسيا

بين الواقعية السياسية والتمسك بمبادئ الجهاد

تحالف طالبان وروسيا: قراءة سياسية وشرعية في تحولات المصالح الدولية

أثار إعلان وزارة الخارجية الروسية عن اعتبار حركة طالبان حليفًا لروسيا في مكافحة الإرهاب جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والفكرية، لا سيما في العالم الإسلامي. وقد قابلت الإمارة الإسلامية هذا التصريح بترحيب واضح، مؤكدة التزامها بعدم السماح لأي جماعات مسلحة أو “مخربة” باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أمن الدول الأخرى. يأتي هذا التطور في مرحلة تشهد فيها الساحة الدولية إعادة رسم للتحالفات، حيث لم تعد العلاقات تُبنى على الأيديولوجيا وحدها، بل على المصالح الاستراتيجية المتغيرة.

خلفية التحالف بين طالبان وروسيا

منذ عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، تسعى الحركة إلى تثبيت أركان سلطتها داخليًا وانتزاع اعتراف دولي خارجي يخفف من عزلتها السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، برزت روسيا كأحد الأطراف التي انتهجت سياسة براغماتية تجاه طالبان، مدفوعة بمخاوف أمنية تتعلق بانتشار الجماعات المتطرفة في آسيا الوسطى، إضافة إلى رغبتها في تعزيز نفوذها في منطقة تشكل عمقًا استراتيجيًا لها.

أما طالبان، فتنظر إلى هذا التقارب بوصفه خطوة مهمة لكسر الحصار السياسي، ووسيلة لإثبات قدرتها على لعب دور فاعل في حفظ الأمن الإقليمي، لا مجرد حركة محلية معزولة.

ولاء وبراء في ضوء الثورة السورية

أحد أبرز أوجه الجدل حول تحالف طالبان وروسيا يتمثل في البعد العقدي، خاصة لدى من يستحضرون الدور الروسي في دعم النظام السوري وما ترتب عليه من مآسٍ إنسانية. فهؤلاء يرون في أي تقارب مع موسكو تناقضًا مع مبدأ الولاء والبراء، ويعتبرونه تجاوزًا غير مبرر من الناحية الشرعية.

في المقابل، يرى آخرون أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات الواقع السياسي واختلاف السياقات. فطالبان لم تتحالف مع روسيا من باب التبعية أو الذوبان، بل من منطلق إدارة المصالح ودفع المفاسد، وهو ما يستدعي قراءة أكثر عمقًا لمفهوم العلاقات الدولية في الفقه السياسي الإسلامي.

العلماء وتحليل التحالفات السياسية

العلماء الذين عايشوا تجارب الجهاد وفهموا واقع السياسة الدولية يؤكدون أن التحالفات المؤقتة لا تُقاس دائمًا بمعايير العداء والصداقة المطلقة. ففي الفقه السياسي، هناك قاعدة معتبرة تُعرف بـ“انفكاك الجهة”، أي التفريق بين الفعل من حيث مصلحته أو مفسدته، وبين الجهة التي صدر عنها.

وفق هذا المنظور، يمكن التعامل مع دولة غير مسلمة في ملف أمني أو سياسي محدد، دون أن يعني ذلك القبول بعقيدتها أو سياساتها الأخرى. ويُشترط في ذلك ألا يؤدي التحالف إلى التبعية، أو التنازل عن الثوابت، أو الإضرار بمصالح المسلمين العامة.

بين الفهم السطحي والقراءة العميقة

في خضم هذا الجدل، يظهر صنفان من المتعاملين مع قضية تحالف طالبان وروسيا:

الصنف الأول: من يلتزم الصمت أو يكتفي بالمشاهدة دون فهم حقيقي للأبعاد السياسية والشرعية. هؤلاء غالبًا ما يفتقرون إلى أدوات التحليل العلمي، فلا يقدمون إضافة حقيقية للنقاش.

الصنف الثاني: من يعتمد على معلومات مجتزأة ويستخدمها لإسقاط تجارب مختلفة على بعضها، كمن يقارن بين طالبان وحركات مقاومة أخرى مثل حماس دون مراعاة اختلاف البيئات والسياقات السياسية والجغرافية. هذا النوع من الطرح يخلط بين الأحكام الشرعية والاصطفافات العاطفية.

طالبان والاستحقاق السياسي الدولي

لا يمكن فصل تحالف طالبان وروسيا عن سعي الحركة للاندماج—ولو جزئيًا—في النظام الدولي. فالاعتراف السياسي، وتخفيف العقوبات، وفتح قنوات اقتصادية، كلها أهداف تسعى طالبان لتحقيقها لضمان استقرار حكمها وتحسين الوضع المعيشي للشعب الأفغاني.

ومن هذا المنطلق، فإن التقارب مع قوى كبرى مثل روسيا أو الصين لا يُعد ترفًا سياسيًا، بل جزءًا من إدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تفرض على طالبان التعامل بمرونة دون التفريط في ثوابتها المعلنة.

تحالف طالبان وروسيا

أبعاد إقليمية ودولية للتحالف

يمتد تأثير هذا التحالف إلى ما هو أبعد من أفغانستان، إذ يعكس تحولات أوسع في ميزان القوى الدولي، حيث تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها في مناطق النفوذ التقليدي للولايات المتحدة، بينما تستفيد طالبان من هذا التنافس الدولي لتحسين موقعها التفاوضي.

كما أن هذا التقارب يبعث برسائل إلى دول الجوار بأن أفغانستان، في ظل حكم طالبان، لن تكون مصدر تهديد، بل شريكًا محتملًا في حفظ الأمن الإقليمي.

الخاتمة

إن تحالف طالبان وروسيا، رغم ما يثيره من جدل ديني وسياسي، لا يمكن فهمه إلا في سياق الواقع الدولي المعقد الذي نعيشه اليوم. فالسياسة ليست ساحة مثالية، بل مجال لإدارة المصالح وتقليل الخسائر. والعلماء الراسخون في الفقه السياسي يدركون أن مثل هذه التحالفات قد تكون مشروعة إذا حققت مصلحة راجحة، ودفعت مفسدة أكبر، دون أن تمس جوهر العقيدة أو استقلال القرار.

أما القراءات السطحية، سواء بالتجريم المطلق أو التبرير غير المنضبط، فإنها تسيء إلى الفهم الصحيح للواقع، وتزيد من حالة الاستقطاب بدل تقديم وعي سياسي ناضج يخدم الأمة.

 

قسم السياسة

قسم السياسة هو نافذتك لتحليل عميق وموضوعي للأحداث السياسية المحلية والعالمية. نسعى لتقديم رؤية شاملة للقضايا السياسية من مختلف الزوايا، مع التركيز على الخلفيات التاريخية، التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية، وآثار القرارات السياسية على حياة الأفراد والمجتمعات. ستجد هنا مقالات تحليلية، تقارير مفصلة، وتعليقات على التطورات الراهنة، بهدف تعزيز الوعي السياسي وتمكين القراء من فهم أعمق للعالم من حولهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى