دين

النفقة الفاصلة!

النفقة الفاصلة!

حين يتحول العطاء إلى موقفٍ أخلاقي لا يقبل التأجيل

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الأمم، لا تُقاس المواقف بكثرة الكلام ولا بحدة الشعارات، بل بالفعل الصامت الذي يُتخذ في الوقت الحرج. هناك أزمنة تكون فيها الخيارات عادية، وأزمنة أخرى يصبح فيها كل خيار فاصلاً، وكل موقف شاهدًا، وكل نفقة علامةً على جهة الانتماء. نحن اليوم نقف في واحدة من تلك اللحظات التي لا تشبه ما قبلها، حيث لم تعد النفقة فعلَ إحسانٍ مجرّد، بل تحوّلت إلى موقف أخلاقي حاسم، وإلى امتحانٍ للضمير قبل أن تكون اختبارًا للقدرة.

العدو ـ كما تُظهر الوقائع ـ يتعامل مع المشهد على أنه المعركة الأخيرة التي يريد منها حسمًا نهائيًا، كأنها لحظة خلاصه أو قيامته المنتظرة. في المقابل، يقف رجالٌ أنهكتهم السنوات، لا يملكون ترف الحسم السريع، بل يمضون في حرب استنزاف طويلة، بصبرٍ ثقيل، وإعدادٍ محدود، وخذلانٍ يكاد يحيط بهم من كل جانب. ومع ذلك، لم تكن وصيتهم خطابًا ناريًا، ولا دعوةً للاندفاع الأعمى، بل كانت بسيطة وموجعة في آنٍ واحد: القيام بشؤون أهلهم، لأن ما يصلهم من الخير لا يكفي لسدّ الاحتياج العاجل.

هنا تتبدل دلالة النفقة. فكل نفقة تُبذل في هذا الظرف تختلف جذريًا عن أي نفقة سابقة. لم تعد مجرد رقم يُخصم من رصيد، ولا إحسانًا يُضاف إلى سجل الحسنات فحسب، بل باتت جزءًا من معادلة الصمود الإنساني، ومن حفظ الكرامة، ومن منع الانكسار الكامل في حياة أناسٍ يدفعون ثمنًا لا يطيقونه وحدهم.

النفقة في ميزان المعنى لا في ميزان العدد

يستحضر هذا السياق الحديث النبوي الشريف:

“من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة”

وليس المقصود هنا حسابًا رياضيًا جامدًا، بل كشفٌ عن قيمة النفقة حين تكون في موضعها الصحيح. فضل النفقة لا يتجلى فقط في مقدارها، بل في تميّز موقعها، وحُسن توقيتها، وجلال زمانها. النفقة التي تُبذل في وقت السعة ليست كالنفقة التي تُقدَّم في زمن الضيق، ولا تلك التي تُعطى دون حاجة كالعطاء الذي يأتي ليسدّ فجوةً حقيقية في حياة إنسان.

ومع ذلك، يظل ميزان الشريعة حاضرًا بقوة: فالنفقة الفاضلة لا تكون على حساب الحقوق الواجبة. لا يجوز أن يُضارّ بها والدٌ أو ولد، ولا أن تُهمَل مسؤولية ثابتة بحجة عملٍ فاضل. هنا تتجلى الحكمة: أن يكون العطاء زائدًا عن الواجب، لا ناقضًا له، وأن يكون تعبيرًا عن وعيٍ لا عن اندفاع.

من “النفقة الفاضلة” إلى “النفقة الفاصلة”

في قراءةٍ لغوية عميقة، يرد في بعض كتب اللغة تفسير مختلف للفظ الحديث، حيث تُقرأ “نفقة فاضلة” على أنها “نفقة فاصلة”. وهذه القراءة، وإن كانت أقل شيوعًا، إلا أنها تفتح أفقًا معنويًا بالغ القوة. فالنفقات، في لحظات معينة من التاريخ، لا تكون مجرد أفعال خير، بل خطوط فصل:
فصلٌ بين الحق والباطل،
وبين المسؤولية والتهرب،
وبين النصرة والخذلان،
وبين الكرامة واللامبالاة.

بهذا المعنى، تصبح النفقة الفاصلة موقفًا وجوديًا، تُحدِّد به موقعك من المشهد، لا بالكلام، بل بالفعل. هي ليست إعلانًا سياسيًا، ولا صكَّ براءة، بل اختيار أخلاقي صريح: هل تكون حاضرًا حين يُستدعى الضمير، أم غائبًا بحجة العجز أو الخوف؟

لماذا هذه النفقة هي الأشدّ إلحاحًا اليوم؟

لأن الحاجة اليوم ليست نظرية، بل واقعية، يومية، ضاغطة. لأن أثرها لا يتراكم ببطء، بل يُحدث فرقًا مباشرًا في حياة أسرٍ تعيش على الحافة. ولأنها ـ في ميزان القيم ـ تمثل أعلى درجات التضامن الإنساني حين يعجز الكلام عن مواساة الألم.

من يؤدي هذه النفقة في هذا الظرف، لا يفعل ذلك بدافع الشعور بالذنب، ولا بدافع الاستعراض، بل بدافع إدراكٍ عميق أن بعض اللحظات لا تُعوَّض. في التراث الإسلامي، ارتبط شرف “السبق” بالمواقف الأولى، لا بما يأتي بعدها. ومن هنا جاء وصف أهل بدر بمكانتهم الخاصة. والمعنى هنا رمزي أخلاقي: أن تكون حاضرًا في اللحظة الفاصلة.

النفقة الفاصلة!

الخسارة التي لا يُعوَّض عنها الزمن

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضياع المال، بل في ضياع الفرصة. فإذا انتهت هذه المحنة، ولم يكن للإنسان فيها أثر، ولا موقف، ولا مشاركة في تخفيف الألم، فذلك هو الخسران الأكبر: خسران المعنى، وخسران احترام الذات قبل أي شيء آخر. فبعض الهزائم لا تُكتب في دفاتر التاريخ، بل تُسجَّل في الضمير، وتبقى.

النفقة الفاصلة، إذن، ليست دعوةً للفعل الأعمى، بل نداءٌ للعقل والضمير معًا. هي تذكير بأن الإنسان يُعرَف في أوقات الشدة، وأن القيم لا تُختبر في أوقات الرخاء. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأعذار، يبقى الفعل الصامت أبلغ من ألف خطاب.

المصدر
د. أسامة الأشقر

قسم الإسلاميات

قسم الإسلاميات هو زاوية مخصصة لعرض الجوانب الروحانية والفكرية للإسلام. يهدف القسم إلى تقديم محتوى متنوع يعزز الفهم الصحيح للقيم الإسلامية، ويُلقي الضوء على قضايا معاصرة من منظور إسلامي. ستجد هنا مقالات تحفيزية، تأملات دينية، شروحات مبسطة للآيات والأحاديث، بالإضافة إلى قصص تاريخية ملهمة تعكس روح الإسلام. نسعى من خلال هذا القسم إلى أن يكون مرجعًا يُثري القلوب والعقول، ويعزز التواصل مع الهوية الإسلامية.
زر الذهاب إلى الأعلى