العدوان الإسرائيلي المستمر: حرب على أماكن العبادة
استهداف المساجد والكنائس في فلسطين

العدوان الإسرائيلي المستمر: حرب على أماكن العبادة
مقدمة
بعد عام كامل من العدوان الإسرائيلي المتواصل على الأراضي الفلسطينية، لم تعد صورة الصراع محصورة في المواجهات العسكرية أو العمليات الأمنية كما يحاول الاحتلال تصويرها، بل بات واضحًا أن ما يجري هو حرب شاملة ذات أبعاد دينية وثقافية وتاريخية. فإلى جانب القصف والاقتحامات والاعتقالات، شنّ الاحتلال الإسرائيلي حربًا ممنهجة تستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية، في محاولة واضحة لتغيير الواقع الديموغرافي والديني، لا سيما في مدينة القدس، التي تشكل قلب الصراع الديني والسياسي في فلسطين.
هذه الهجمات لم تكن عشوائية أو فردية، بل جاءت ضمن سياسة منظمة تهدف إلى فرض سيطرة كاملة على الأماكن المقدسة، وتقويض الوجود الديني الفلسطيني، الأمر الذي يزيد من حدة التوترات الدينية والطائفية، ويهدد السلم المجتمعي في المنطقة برمتها.
أولًا: الاعتداءات على المساجد… الأقصى في قلب الاستهداف
يُعد المسجد الأقصى المبارك الهدف الأبرز في هذه الحرب الدينية، نظرًا لمكانته الدينية والتاريخية لدى المسلمين في جميع أنحاء العالم. خلال عام 2023، شهد المسجد الأقصى أكثر من 20 اقتحامًا نفذها مستوطنون متطرفون تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال الإسرائيلي، في انتهاك صارخ للوضع القائم (الستاتيكو) الذي يحكم إدارة المسجد.
لم تقتصر الانتهاكات على الاقتحامات، بل شملت:
- منع آلاف المصلين من دخول المسجد، خصوصًا خلال شهر رمضان.
- الاعتداء على المصلين داخل باحات الأقصى.
- فرض قيود مشددة على أعمار المصلين.
- السماح بأداء طقوس تلمودية استفزازية داخل الحرم القدسي.
إلى جانب القدس، امتدت الاعتداءات لتشمل مساجد الضفة الغربية، حيث تعرضت عدة مساجد في مدن مثل نابلس ورام الله وقلقيلية لعمليات حرق وتخريب متعمدة على يد المستوطنين، وسط تقاعس واضح من قوات الاحتلال عن محاسبة الفاعلين.
وبحسب تقارير الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، فقد تعرض أكثر من 50 مسجدًا للاعتداء خلال عام واحد فقط، ما يعكس تصاعدًا خطيرًا في استهداف دور العبادة الإسلامية.

ثانيًا: استهداف الكنائس… محاولة طمس الوجود المسيحي
لم تكن الكنائس المسيحية بمنأى عن هذه الحرب، إذ شهدت هي الأخرى اعتداءات متكررة تؤكد أن الاستهداف لا يقتصر على ديانة بعينها، بل يشمل كل ما يرمز إلى الوجود الديني الفلسطيني.
فقد تعرضت كنيسة القيامة في القدس القديمة، وهي من أقدس المواقع المسيحية في العالم، لسلسلة من الاعتداءات، شملت:
- اعتداءات لفظية وجسدية على رجال الدين.
- تخريب ممتلكات كنسية.
- فرض قيود أمنية خانقة على محيط الكنيسة.
وفي أبريل 2023، منعت السلطات الإسرائيلية آلاف المسيحيين من الوصول إلى كنيسة القيامة للاحتفال بـسبت النور، في سابقة خطيرة أثارت غضب الكنائس الشرقية والغربية على حد سواء.
كما فرض الاحتلال قيودًا صارمة على دخول المصلين إلى كنيسة المهد في بيت لحم خلال أعياد الميلاد، ما أثر بشكل مباشر على الطقوس الدينية، وألحق أضرارًا اقتصادية وسياحية جسيمة بالمدينة.
ثالثًا: الأرقام والإحصائيات… مؤشرات مقلقة
تكشف الإحصائيات الميدانية حجم الانتهاكات التي طالت المقدسات خلال عام 2023، حيث تم تسجيل:
- أكثر من 100 اعتداء على المساجد والكنائس.
- تركّز 35% من هذه الاعتداءات في مدينة القدس.
- توزعت بقية الاعتداءات على مدن وبلدات الضفة الغربية.
- تصاعد ملحوظ في وتيرة الهجمات مقارنة بالأعوام السابقة.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد حالات فردية، بل تعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة.
رابعًا: الأهداف الإسرائيلية من الحرب على المقدسات
من خلال تتبع طبيعة هذه الاعتداءات، يمكن استخلاص عدة أهداف يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تحقيقها، أبرزها:
- فرض السيادة الكاملة على القدس، خاصة المسجد الأقصى.
- تغيير الطابع الديني والديموغرافي للمدينة المقدسة.
- تقليص الوجود الديني الفلسطيني، الإسلامي والمسيحي.
- تعميق الانقسام الديني والطائفي لخدمة أجندات سياسية.
- تسهيل التوسع الاستيطاني، وفرض وقائع جديدة على الأرض.
- استغلال الصمت الدولي لتسويق رواية الاحتلال عالميًا.
خامسًا: ردود الفعل الدولية… إدانات بلا فعل
على الرغم من توثيق هذه الانتهاكات من قبل منظمات حقوقية دولية، إلا أن ردود الفعل الدولية ظلت خجولة ومحدودة. فقد اقتصرت معظم المواقف على بيانات إدانة صادرة عن:
- الأمم المتحدة
- بعض المنظمات الحقوقية الدولية
- هيئات دينية عالمية
دون اتخاذ خطوات عملية أو فرض عقوبات رادعة لوقف هذه الاعتداءات، ما شجّع الاحتلال على الاستمرار في سياساته دون خوف من المساءلة.
خاتمة
إن استمرار الاعتداءات على المساجد والكنائس في فلسطين يؤكد أن ما يجري هو حرب دينية ممنهجة تستهدف المقدسات والهوية الدينية والتاريخية للشعب الفلسطيني. هذه الانتهاكات لا تهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تمسّ جوهر القيم الإنسانية وحرية العبادة التي يكفلها القانون الدولي.
وأمام هذا الواقع، يصبح التحرك الدولي الجاد ضرورة ملحّة، ليس فقط لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، بل للحفاظ على ما تبقى من فرص السلام، ومنع انزلاق المنطقة نحو صراع ديني مفتوح ستكون تداعياته كارثية على الجميع.



